حظيت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، جون راتكليف، إلى القاهرة يوم الأحد الماضي، واجتماعاته مع (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي ورئيس جهاز المخابرات العامة المصرية، اللواء حسن رشاد بمراقبة دقيقة في أوساط الاستخبارات والأمن الصينية (وبخاصة وزارة أمن الدولة). 

 

وفقًا لموقع "موردن دبلوماسي"، فإن هذه المخاوف والتحليلات في بكين تنبع من طبيعة شخصية جون راتكليف، المعروف بتبنيه الأيديولوجي لمفهوم التهديد الصيني منذ توليه منصب مدير المخابرات الوطنية. علاوة على الأهمية الجيوسياسية الكبيرة لمصر والشرق الأوسط في الاستراتيجية الصينية. 

 

وبحسب ما ينقل التقرير، جاءت الزيارة، من وجهة نظر صينية، في وقتٍ تصاعدت فيه التوترات الجيوسياسية في المنطقة عقب الحرب الإيرانية وأزمة مضيق هرمز. وعلى الرغم من أن أجهزة الاستخبارات الصينية، كوزارة أمن الدولة، لا تُفصح عادةً عن مثل هذه المعلومات، فقد أثارت الزيارة اهتمامًا كبيرًا. 


وأوضح التحليل أنه بينما تُصدر تقييمات عامة فورية ومباشرة لمثل هذه التحركات الاستخباراتية الثنائية، يُمكن تفسير الزيارة وأبعادها الأمنية من خلال عدسة التحليل الاستراتيجي الصيني المعتاد للتحركات الأمريكية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ويمكن تلخيص أهم مخاوف الأوساط الأمنية الصينية بشأن زيارة جون راتكليف إلى القاهرة على النحو التالي:

 

 

أولاً: محاولة لتقويض النفوذ الجيوسياسي المتزايد للصين.

 

– تأمين الممرات البحرية الحيوية: التقى راتكليف بالسيسي ورئيس المخابرات المصرية، حسن رشاد، في القاهرة لمناقشة الأمن البحري الدولي في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. 


وتعتبر الصين هذه المنطقة شريانًا حيويًا لمبادرة الحزام والطريق والتجارة الصينية مع أوروبا وأفريقيا. وتخشى بكين من أن تسعى واشنطن، عبر قنواتها الاستخباراتية والأمنية، إلى إرساء معادلات أمنية جديدة في المنطقة تستبعد الصين أو تهمّش دورها المتنامي.


– سياسة مصر للتوازن الاستراتيجي: تنتهج مصر سياسة التوازن الدبلوماسي وترفض الانحياز الكامل لأي محور ضدها. ومع ذلك، تخشى الأوساط الصينية من أن تستخدم الاستخبارات الأمريكية أساليب الضغط أو تقدم عروضًا أمنية وسياسية حساسة وحاسمة لدفع القاهرة نحو تقليص تعاونها الأمني والتكنولوجي مع بكين.

 

 

ثانًيًا: الحذر الصيني بشأن نهج راتكليف الاستخباراتي العدائي تجاه بكين

 

تعتبر وزارة أمن الدولة الصينية جون راتكليف أحد الصقور في الإدارة الأمريكية الذين يركزون بشكل أساسي على مكافحة صعود الصين. وقد أشرف سابقًا على رفع السرية عن ملفات استخباراتية تستهدف الأنشطة الصينية.

 

تخشى الأوساط الصينية أن تتضمن محادثات راتكليف غير الرسمية في القاهرة محاولة أمريكية للتحذير من استخدام التكنولوجيا الصينية، مثل شبكات الجيل الخامس لشركة هواوي ومشاريع الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية التي تسعى مصر لتوسيعها بالشراكة مع الصين، وذلك بذريعة مخاوف تتعلق بالتجسس والأمن السيبراني. وبحسب التقرير، فإن هذا المجال يُعدّ من مجالات الصراع الاستخباراتي الحاد بين بكين وواشنطن.

 

 

ثالثًا: تقييد التوسع الاقتصادي والعسكري للصين في أفريقيا والقرن الأفريقي

 

تشعر الصين بالقلق إزاء زيارة راتكليف إلى القاهرة وما قد يترتب عليها من قيود على تحركاتها وأنشطتها في أفريقيا والقرن الأفريقي، وهما منطقتان حساسيتان لمصالحها. وينبع هذا القلق من أن جدول أعمال زيارة راتكليف إلى القاهرة كان يتضمن بالفعل مناقشات حول الأوضاع في السودان والصومال والقرن الأفريقي.

 

- بالنظر إلى استثمارات الصين الكبيرة وقاعدة لوجستية عسكرية في جيبوتي المجاورة، فإن بكين تراقب بقلق أي تنسيق استخباراتي رفيع المستوى بين الولايات المتحدة ومصر قد يؤدي إلى إعادة ترتيب الأوراق في القرن الأفريقي ومضيق باب المندب، مما قد يؤثر على حرية حركة الصين ومصالحها الاستراتيجية هناك.

 

 

رابعًا: المخاوف الأمنية والاستخباراتية الصينية بشأن الصفقات الأمنية الكبرى والترتيبات الإقليمية

 

– جاءت زيارة جون راتكليف إلى القاهرة في منعطف إقليمي شديد الحساسية، بالتزامن مع تصاعد الصراعات المتعلقة بإيران واليمن، وبعد أيام فقط من زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة.

 

- تخشى مراكز الدراسات الاستراتيجية الصينية من أن تسعى الاستخبارات الأمريكية إلى بناء تحالفات أمنية إقليمية جديدة وضخ صفقات أسلحة ضخمة في المنطقة، مما يعزز الهيمنة العسكرية الأمريكية ويعرقل محاولات الصين لتقديم نفسها كوسيط سلام دبلوماسي محايد وموثوق به في الشرق الأوسط (على غرار وساطتها السابقة بين المملكة العربية السعودية وإيران).

 

وبناءً على ذلك، تتوقع دوائر الأمن الصينية أن تتجاوز تحركات راتكليف في القاهرة مجرد إدارة الأزمات المباشرة، كتلك التي تشهدها غزة أو السودان، وأنها جزء من استراتيجية أمريكية أوسع لاحتواء التوسع الصيني ومحاصرته في بؤر جيوسياسية حيوية، تُعد مصر من أهمها. 

 

وفي هذا السياق، حلل التقرير الرؤية الاستخباراتية والاستراتيجية الصينية الكاملة لأهداف زيارة جون راتكليف إلى القاهرة، على النحو التالي:

 

 

أولاً: الرؤية الصينية والتحليل الاستراتيجي لأهداف زيارة مدير وكالة المخابرات المركزية جون راتكليف إلى القاهرة (من منظور صيني)

 

– تعزيز النفوذ الأمريكي ومواجهة التوسع الآسيوي: تنظر وكالات الاستخبارات الصينية إلى تكثيف واشنطن للتنسيق الاستخباراتي رفيع المستوى مع القاهرة على أنه محاولة مباشرة للحفاظ على التحالفات الأمنية التقليدية للولايات المتحدة ومنع أي تعاون أمني أو تكنولوجي أعمق بين مصر والقوى الشرقية (روسيا والصين) بشأن القضايا الحساسة.

 

تأمين الممرات البحرية كأولوية استراتيجية: قامت أجهزة الاستخبارات والاستراتيجية والأمن الصينية بتحليل مكثف للمحادثات الاستخباراتية الأمريكية المصرية، مع التركيز بشكل خاص على أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي (الصومال). 


من وجهة النظر الصينية، ينبع هذا الاهتمام الأمريكي من رغبة واشنطن في تشديد الرقابة الأمنية على الممرات المائية الحيوية لمبادرة الحزام والطريق الصينية، ومراقبة مضيق باب المندب عن كثب في ظل التوترات المستمرة. وتولي أجهزة الاستخبارات والجيش والسياسة والاستراتيجية الصينية اهتمامًا بالغًا بالتعاون المصري الأمريكي في حماية الأمن البحري، لا سيما في البحر الأحمر ومضيق هرمز، اللذين يواجهان تهديدات مباشرة تؤثر سلبًا على التجارة الدولية والاقتصاد العالمي وقناة السويس. وتقوم مراكز صنع القرار الصينية بتحليل أهمية زيارة جون راتكليف إلى القاهرة لمناقشة الأمن البحري الدولي ومعالجة التحديات الأمنية والجيوسياسية في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي.

 

– احتواء الأزمات الإقليمية الكبرى: ترى بكين أن التنسيق الأمريكي المصري بشأن الأزمة الإيرانية وحرب غزة والوضع في السودان هو خطوة أمريكية لإدارة التفاعلات الإقليمية بطريقة تخدم مصالح إدارة ترامب الجديدة وتضمن عدم خروج الصراعات عن سيطرة واشنطن الاستراتيجية.

 

احتواء الأزمة الإيرانية وضمان الأمن البحري: أولت أجهزة الاستخبارات والاستراتيجية والأمن الصينية اهتمامًا بالغًا بزيارة جون راتكليف إلى القاهرة وعلاقتها بالأزمة الإيرانية الراهنة. 


وتراقب بكين عن كثب جهود الوساطة المصرية الرامية إلى خفض حدة التوترات حول مضيق هرمز. وتولي الصين اهتمامًا خاصًا بالمحادثات الاستخباراتية المصرية الأمريكية الرامية إلى التوصل إلى اتفاق شامل لإنهاء الأزمة الإيرانية والحد من التصعيد العسكري، وبالتالي حماية المنطقة من خطر اندلاع حرب أوسع. ويتماشى هذا مع مصالح الصين، ومبادرة الحزام والطريق، واستثماراتها ومصالحها اللوجستية في مصر والمنطقة.

 

– مراقبة قطاع غزة وعملية السلام: تتابع الأوساط السياسية والاستراتيجية الصينية عن كثب اجتماعات جون راتكليف في القاهرة وتنفيذ المرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار في قطاع غزة. ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في ظل تأكيد السيسي على الأهمية القصوى للتنفيذ الكامل للمرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار في غزة، وتقديم المساعدات، والالتزام بحل الدولتين. ولا سيما في ضوء التوافق المصري الصيني حول عدد من المبادئ المصرية، وتحديداً ضرورة حماية المدنيين، وضمان استمرار تدفق المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، وتهيئة مناخ سياسي ملائم لإحياء حل الدولتين.

 

- معالجة الأزمة السودانية والقرن الأفريقي: تُحلل مراكز الأبحاث الصينية، من قطاعات الاستخبارات والجيش والسياسة والاستراتيجية، العلاقة بين زيارة راتكليف إلى القاهرة والمناقشات مع الجانب المصري حول القضية السودانية. ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في ضوء التعاون الاستخباراتي المصري الأمريكي خلال زيارة جون راتكليف إلى القاهرة لمناقشة سبل إنهاء الحرب في السودان. 


وأكدت مصر والصين معًا على عدة مبادئ، من بينها ضرورة الحفاظ على وحدة السودان وسيادته ودعم مؤسساته الوطنية الشرعية للتخفيف من معاناة الشعب. ويتجلى ذلك في الدعم الصيني المصري المتزايد لقضية الاستقرار في الصومال والقرن الأفريقي، ورفض الاعتراف الإسرائيلي بمنطقة أرض الصومال الانفصالية. 


ولذا، ركزت دوائر صنع القرار في بكين على التعاون الاستخباراتي المصري الأمريكي لمناقشة جميع التطورات الأمنية في منطقة القرن الأفريقي، نظرًا لرفض مصر والصين القاطع لأي مساس بسيادة الصومال أو سلامة أراضيها.

 

 

ثانيًا: تحليل الاستخبارات الصينية لزيارة جون راتكليف إلى القاهرة في تعزيز التعاون المباشر وتبادل المعلومات الاستخباراتية بين القاهرة وواشنطن

 

بحسب التحليل الصيني، فإن زيارة جون راتكليف إلى القاهرة كانت ذات أبعاد تنفيذية واضحة تهدف إلى تعزيز التعاون الاستخباراتي المشترك بين وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) والمخابرات المصرية في العديد من المجالات الرئيسة، بما في ذلك:

 

– مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود الوطنية: تم التوصل إلى اتفاق لتوسيع قنوات التبادل الفوري للمعلومات الأمنية المتعلقة بأنشطة المنظمات الإرهابية وشبكات التهريب والجريمة المنظمة العاملة في مناطق الاضطرابات المحيطة بمصر، مثل ليبيا ومنطقة الساحل والسودان.

 

– دمج التقييمات الجيوسياسية: هذا الأمر ذو أهمية خاصة بالنظر إلى إشادة راتكليف بالمستوى الحالي للتعاون الاستخباراتي مع القاهرة وتأكيده على أهمية تعزيز تبادل وجهات النظر والتقييمات الأمنية والاستخباراتية المشتركة لاستباق السيناريوهات المستقبلية في الشرق الأوسط وأفريقيا، وبالتالي تعزيز قدرة الطرفين على العمل بشكل استباقي.

 

– الوساطة الأمنية المباشرة: أظهرت الاجتماعات دور المخابرات المصرية كشريك أمني لا غنى عنه لكل من واشنطن وبكين في إدارة ملفات المفاوضات الحساسة، لا سيما فيما يتعلق برصد وتوطيد خطط وقف إطلاق النار في قطاع غزة، والملفات الإيرانية والسودانية. تتطلب هذه الملفات تدفقًا عالي التنسيق للمعلومات بين جهازي المخابرات.

 

تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي الثنائي والتنسيق المشترك: هدفت الزيارة إلى رفع مستوى التعاون المباشر وتبادل المعلومات بين وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) والمديرية العامة للاستخبارات المصرية، فضلاً عن مكافحة الإرهاب والجريمة. 


ووفقًا للتحليل الصيني، شملت الأهداف الأمنية لزيارة راتكليف إلى القاهرة تعزيز الجهود المشتركة لمواجهة المنظمات الإرهابية والجريمة المنظمة والجرائم العابرة للحدود التي تهدد الاستقرار الإقليمي. وإلى جانب التنسيق الاستخباراتي، أشاد مدير وكالة الاستخبارات المركزية بمستوى التعاون بين مصر والولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والجرائم العابرة للحدود، وأكد التزام واشنطن بتعزيز تبادل وجهات النظر والمعلومات باعتباره أمرًا ذا أهمية بالنسبة لأجهزة الاستخبارات والدوائر الاستراتيجية الصينية.

 

استنادًا إلى التحليل والفهم السابقين، أشار التقرير إلى مدى القلق الذي يُساور أجهزة الاستخبارات والاستراتيجية والأمن الصينية بشأن زيارة جون راتكليف إلى القاهرة، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة. تنظر مراكز الفكر الاستخباراتية والاستراتيجية الصينية إلى هذه الزيارة في إطار تنافس على النفوذ، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز شراكتها الاستراتيجية مع مصر في وقت تشهد فيه المنطقة تزايدًا في حضور قوى دولية أخرى، مثل الصين وروسيا. ولذلك، تُراقب الدوائر التحليلية في بكين هذه التحركات الاستخباراتية الأمريكية في مصر كجزء من تنافس أوسع بين القوى الكبرى على النفوذ في مصر والشرق الأوسط وأفريقيا.

https://moderndiplomacy.eu/2026/09/22/ratcliffe-in-cairo-why-china-is-watching-u-s-egypt-security-ties/